العيني

45

عمدة القاري

لأعمالهم وكتبهم إياها عليهم . وقال عياض ، رحمه الله : وقيل : يحتمل أن يكونوا غير الحفظة ، فسؤاله لهم إنما هو على جهة التوبيخ لمن قال : * ( أتجعل فيها من يفسد فيها ) * ( البقرة : 30 ) . وإنه اظهر لهم ما سبق في علمه بقوله ( اني اعلم ما لا تعلمون ) وقال القرطبي : وهذه حكمة اجتماعهم في هاتين الصلاتين ، أو يكون سؤاله لهم استدعاءً لشهادتهم لهم ، ولذلك قالوا : ( أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون ) . وهذا من خفي لطفه وجميل ستره ، إذا لم يطلعهم إلاَّ على حال عبادتهم ، ولم يطلعهم على حالة شهواتهم وما يشبهها . انتهى . هذا الذي قاله يعطي أنهم غير الحفظة ، لأن الحفظة يطلعون على أحوالهم كلها ، اللهم إلاَّ أن تكون الحفظة غير الكاتبين ، فيتجه ما قاله . والظاهر أنهم غيرهما ، لأنه قد جاء في بعض الأحاديث : ( إذا مات العبد جلس كاتباه عند قبره يستغفران له ويصليان عليه إلى يوم القيامة ) . يوضحه ما رواه ابن المنذر بسند له عن أبي عبيدة بن عبد الله عن أبيه أنه كان يقول : ( يتداول الحارسان من ملائكة الله تعالى : حارس الليل وحارس النهار ، عند طلوع الفجر ) . وعن الضحاك في قوله تعالى : * ( وقرآن الفجر ) * ( الإسراء : 78 ) . قال : ( تشهد ملائكة الليل وملائكة النهار يشهدون أعمال بني آدم ) . وفي تفسير ابن أبي حاتم : تشهده الملائكة والجن . قوله : ( ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ) اجتماعهم في هاتين الصلاتين لطف من الله تعالى بعباده المؤمنين ، إذ جعل اجتماعهم عندهم ومفارقتهم لهم في أوقات عبادتهم ، واجتماعهم على طاعة ربهم ، فتكون شهادتهم لهم بما شاهدوه من الخير . وقال ابن حبان في ( صحيحه ) : فيه بيان أن ملائكة الليل تنزل والناس في صلاة العصر ، وحينئذ تصعد ملائكة النهار ، وهذا ضد قول من زعم : أن ملائكة الليل تنزل بعد غروب الشمس . فإن قلت : ما وجه ذكر هاتين الصلاتين عند ذكر الرؤية ( ؟ قلت : لما ثبت لهما من الفضل على غيرهما من اجتماع الملائكة فيهما ورفع الأعمال وغير ذلك ، ناسب أن يجازي المحافظ عليهما بأفضل العطايا ، وهو النظر إلى الله تعالى . والله أعلم . فإن قلت : التعاقب مغاير للاجتماع فيكون بين قوله : ( يتعاقبون ) ، وبين قوله : ( يجتمعون ) منافاة ؟ قلت : كل منهما في حالة ، فلا منافاة . فإن قلت : شهودهم معهم الصلاة في الجماعة أم مطلقا ؟ قلت : اللفظ يحتمل للجماعة وغيرهم ، ولكن الظاهر أن ذلك في الجماعة . قوله : ( ثم يعرج ) ، من : عرج يعرج عروجا ، من باب : نصر ينصر : والعروج : الصعود ، ويقال : عرج يعرج عرجانا إذا عجز عن شيء أصابه ، وعرج يعرج عرجا : إذا صار أعرج أو كان خلقه فيه ، وعرج بالتشديد تعريجا : إذا قام . قوله : ( الذين باتوا فيكم ) ، الخطاب فيه وفي قوله : ( يتعاقبون فيكم ) ، للمصلين . وقال بعضهم : أي : المصلين أو مطلق المؤمنين قلت : لا يصح أن يكون مطلق المؤمنين ، لأن هذه الفضيلة للمصلين ، والدليل على ذلك قوله : ( يجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ) . وقال الكرماني : فإن قلت : ما وجه التخصيص بالذين باتوا وترك الذين ظلوا ؟ قلت : إما للاكتفاء بذكر أحدهما عن الآخر ، كقوله تعالى : * ( سرابيل تقيكم الحر ) * ( النحل : 81 ) . وإما لأن الليل مظنة المعصية ومظنة الاستراحة ، فلما لم يعصوا واشتغلوا بالطاعة فالنهار أولى بذلك ، وإما لأن حكم طرفي النهار يعلم من طرفي الليل ، فذكره يكون تكرارا . انتهى . وقيل : الحكمة في ذلك أن ملائكة الليل إذا صلوا الفجر عرجوا في الحال ، وملائكة النهار إذا صلوا العصر لبثوا إلى آخر النهار لضبط بقية عمل النهار . وقال بعضهم : وهذا ضعيف ، لأنه يقتضي أن ملائكة النهار لا يسألون ، وهو خلاف ظاهر الحديث . قلت : هذا الذي ذكره ضعيف ، لأن لبث ملائكة النهار لضبط بقية عمل النهار لا يستلزم عدم السؤال . وقيل : الحكمة في ذلك بناء على أن الملائكة هم الحفظة أنهم لا يبرحون عن ملازمة بني آدم ، وملائكة الليل هم الذين يعرجون ويتعاقبون ، ويؤيدها ما رواه أبو نعيم في ( كتاب الصلاة ) له ، من طريق الأسود بن يزيد النخعي ، قال : ( يلتقي الحارسان ) ، أي : ملائكة الليل وملائكة النهار ، ( عند صلاة الصبح فيسلم بعضهم على بعض فتصعد ملائكة الليل وتلبث ملائكة النهار ) . وقيل : يحتمل أن يكون العروج إنما يقع عند صلاة الفجر خاصة ، وأما النزول فيقع في الصلاتين معا ، وفيه التعاقب ، وصورته أن تنزل طائفة عند العصر ، وتبيت ثم تنزل طائفة ثانية عند الفجر ، فتجتمع الطائفتان في صلاة الفجر ، ثم يعرج الذين باتوا فقط ، ويستمر الذين نزلوا وقت الفجر إلى العصر ، فتنزل الطائفة الأخرى فيحصل اجتماعهم عند العصر أيضا ، ولا يصعد منهم أحد ، بل تبيت الطائفتان أيضا ثم تعرج إحدى الطائفتين ، ويستمر ذلك ، فتصح صورة التعاقب مع اختصاص النزول بالعصر ، والعروج بالفجر ، فلهذا خص السؤال بالذين باتوا . وقيل : إن قوله : في هذا الحديث ، أعني : حديث الباب . ( ويجتمعون في صلاة الفجر وصلاة العصر ) وهم ، لأنه ثبت من طرق كثيرة